صديق الحسيني القنوجي البخاري

343

فتح البيان في مقاصد القرآن

فنصير أحياء بعد موتنا ، يقال رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء والحافرة عند العرب اسم لأول الشيء وابتداء الأمر ، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته أي على الطريق الذي جاء منه ، يقال النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة ، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي عند أول ما التقوا ، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة حافرة بمعنى محفورة ، وقيل الحافرة العاجلة . والمعنى إنا لمردودون إلى الدنيا وقيل الحافرة جمع حافر بمعنى القدم أي أنمشي أحياء على أقدامنا ونطأ بها الأرض ، وقيل فاعلة بمعنى مفعولة ، وقيل على النسب أي ذات حفر ، والمراد بالأرض ، وقيل الحافرة الأرض التي يحفر فيها قبورهم ، والمعنى إنا لمردودون في قبورنا أحياء ، كذا قال الخليل والفراء وبه قال مجاهد ، وقال ابن زيد : الحافرة النار ، واستدل بقوله : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ قال ابن عباس في الحافرة أي الحياة وعنه قال خلقا جديدا ، قرأ الجمهور فِي الْحافِرَةِ ، وقرأ أبو حيوة في الحفرة . ثم زادوا في الاستبعاد بقولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً أي بالية متفتتة يقال نخر العظم بالكسر إذا بلي ، وهذا تأكيد لإنكار البعث أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاما نخرة ، والعامل في « إذ » مضمر يدل عليه مردودون أي أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة . قرأ الجمهور نَخِرَةً ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ناخرة ، واختار الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم ، والثانية الفراء وابن جرير وأبو معاذ النحوي . قال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل ولا بد أن تنخر ، وقيل هما بمعنى ، تقول العرب نخر الشيء فهو ناخر ونخر ، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك ، قال الأخفش هما جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن . وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها ، والنخرة التي فسدت كلها ، وقال مجاهد نخرة أي مرفوتة كما في قوله : رُفاتاً * وقيل الناخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي تصوت ، وقد قرىء إذا كنا وأإذا كنا بالاستفهام وبعدمه . ثم ذكر سبحانه عنهم قولا آخر قالوه فقال : قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران ، والمعنى أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد ، وهذا استهزاء منهم ، وقيل معنى خاسرة كاذبة أي ليست بكائنة كذا وقال الحسن وغيره ، وقال الربيع بن أنس : خاسرة على من كذب بها ، وقال قتادة ومحمد بن كعب : أي لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار ، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار ، والكرة الرجعة والجمع كرات .